التشرد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التشرد

مُساهمة  azzouzti في الأربعاء فبراير 11, 2009 3:59 pm

التشرد

يعاني الكثير من الأطفال من تعرضهم لمشكلة التشرد بالشوارع، أحيانا تقسو الحياة كثيرا على أعز ما نملك، الوالد يطلق زوجته، الزوجة تتزوج رجلا آخر، الزوج الجديد يقسو على أولئك الصبية، يشتكي من أعبائهم الاقتصادية، يحاول بشتى الطرق مضايقتهم وحتى يتسنى له ذلك فإنه غالبا ما يسلك معهم أساليب سيئة حتى يكرهوا السكن ويهربوا بجلدهم من هذا الجحيم الذي يسمي منزل.
وفي أكثر الأحيان يعاقرون الخمر ويأتون ليلا ليضربوا الزوجة وأطفالها، ولما يفيض الكيل بالطفل فإنه لا محالة سوف يفضل الشارع على السكن في هذا الجحيم ومن ضمن الذين تشردوا بشوارع نيويورك كانت الطفلة ربيكا وهي تحكي قصتها مع والدتها ووالدها، الذي كان عربيدا يسكر يوميا ويأتي ليضربها، ورغما أن والدة ربيكا لم تحاول الانفصال عنه، إلا أنه لم يأت لمدة أسبوع للبيت، تقول ربيكا:"وفي اليوم العاشر اتصل بوالدتي وقال لها انه هجرها وسافر لمدينة بوسطن مع عشيقته التي تدعي جان".
تأثرت والدتي بالوضع الجديد وفتشت عن عمل حتى تستطيع إطعامنا، وبعد عام من انقطاع الصلة بوالدي أحضرت والدتي زوجا جديدا في المنزل، كان أيضا رجل سكيرا، يحب السهر يوميا، فإذا سهر خارجا كان يأتي فيعيث بالمنزل فسادا يكسر كل الأواني الزجاجية التي يراها في وجهه، ويضرب كل من يقف أمامه، وكان يطلبني بالاسم وإذا لم آت يضرب باب غرفتي برجله حتى أخرج له ليضربني بأي شيء في يده!
كنت حينما آوى للفراش ينتابني خوف شديد، فيبدأ النوم بالهروب من أجفاني، وأتخيله يأتي في أي وقت ليقوم بضربي بكل عنف وقوة، بدأت في الإعياء لاسيما وان السهر أصبح عادة يوميه.. إحدى صديقاتي بالمدرسة شعرت بما أعاني، وأن ألم الصداع الحاد الذي كان يؤرقني أثر على تحصيلي بالمدرسة، و في أحد الأيام قدمت لي دواء على أنه سوف يعالجني من هذا الألم الحاد.
أخذت منها الدواء وابتلعته فرحه عله ينهي تلك الآلام القاسية، وكانت تقدم لي هذا الدواء طيلة أيام الأسبوع، كانت تقدمه لي يوميا، كنت ابتلعه فرحه لأنه يريحني، ولكن بعد فترة اكتشفت أنه مخدر وأنني أصبحت مدمنة بلا إدراك مني.
بعد فترة تم فصلي من المدرسة لغيابي الكثير ولشرودي الدائم أثناء الحصص، ولما كثر ضرب وركل زوج والدتي لي، خيرت والدتي بيني وبين ذلك الزوج الجديد بالمنزل، فاختارت والدتي ذلك الزوج!
أخذت أغراضي وذهبت للشارع، جلست بالشارع الذي بالقرب من المقهى الذي ترتاده صديقاتي، ولما جلست معهن وحكيت لهن قصتي وبكيت نادت إحداهن إحدى الفتيات بالمقهى وعرفتها بي، وقالت لها إن ربيكا سوف تنضم للفريق الذي أنت رئيسته، وأدركت أنها ترأس فريقا من البنات المشردات، رحبت بي تلك الفتاة وأخذتني لتعرفني ببقية أفراد مجموعتها.
رافقت تلك المجموعة لننام في أي مكان يروق لنا، أحيانا في البيوت المهجورة، وأحيانا في مداخل العمارات الضخمة حيث نحاول رشوة البواب وعادة ما يحن لحالنا لاسيما في البرد، لكنه يشترط علينا الصحو مبكرا حتى لا يرانا سكان العمارة.
وفي الصيف ننام في الحدائق، وكنت في الأيام الأوائل لا أنام قط، ولكن بعد فترة اعتدت أن أنام على طرف أي شارع والسيارات تحوم من حولي وصفير أبواقها عاليا، ولكنني أكون نائمة وفي حلم عميق.
كنت أحيانا اشتاق لوالدتي وأحاول زيارتها، ولكن وجود ذلك الزوج جعلني أكره المنزل ولا أحب القرب للحي أو المكان الذي كنا نسكنه، كانت والدتي غاضبة جدا مني، وأحيانا كانت تراني بالشارع مع صديقاتي ولكنها كانت تغض الطرف عن رؤيتي، هذا الشعور هزني وجعلني أبكي بصوت عال أمام صديقاتي.
ولما طالت فترة التشرد صار ينتابني شعور بالضياع واليأس والإحباط، وفي يوم من الأيام تملكني هذا الشعور حيث وجدت نفسي وحيدة بالشارع ولا فتاة تشاركني وتؤازني في النوم، ذهبت واشتريت موسى للحلاقة وانزويت في ركن مظلم وقطعت شرايين يدي اليسرى، وسال الدم حارا من عروقي، وبعد فترة أغمي علي ولم اشعر بما حولي.. كنت انوي الانتحار لارتاح من شقاء الدنيا الذي ابتليت به. إلا أن أحد المارة الذي له دراية بأرقام التلفونات الهامة اتصل من جواله على الإسعاف لإنقاذي وفعلاً نقلني للمستشفي للعلاج.
بعد صحوي لم يزرني أحد من معارفي، بقيت فترة طويلة بالمستشفي حتى استرجع قواي الجسمية، بجانب التأهيل النفسي حتى لا اقبل على مثل تلك العملية مرة أخرى.
وفي إحدى الأيام زارتني مجموعة من الفتيات في مثل سني وكانت من ضمنهن زميلتي بالمدرسة الابتدائية جوزفين، والتي كانت تربطها بي صداقة حميمة، وفرحت جدا بلقائي حيث أنها انضمت لمجموعة أصدقاء المرضى.
بعدها كانت تأتى ومعها صديقتيها، وأحيانا تأتي لوحدها ولما توطدت العلاقة وعادت كما كانت في السابق أخبرتها بكل ما حدث.. احتضنتني وبكت معي طويلا ومن ثم أخبرتني بوجوب ترك تناول المخدرات، وبأن الحالة التي أنا بها تعتبر أحسن فرصة لي لاسيما وأنني مكثت بالمستشفي قرابة الشهرين ولم أتناول مخدرا، وافقتها على الفور وعاهدتها بالا أعود لمثل تلك العادة القبيحة.
بعد يومين زارتني جوزفين ومعها صديقتها نادين وأخبرتني أنها ابنه لرجل موسر ويمتلك مصنعا للأواني المنزلية وآواني الزينة والزهور، وأنها سوف تخبر والدها لأعمل معه بالمصنع وأقطن في سكن داخل المصنع مع الفتيات اللاتي جئن من البلدان الأخرى وليس لديهن سكن بتلك البلدة.
فرحت جدا لهذه الأخبار السارة، لاسيما وأنني كنت متخوفة من الخروج من المستشفى حيث تعرفت على ممرضات في غاية اللطف.
بعد تأهيلي جسديا ونفسيا خرجت من المستشفي وذهبت لوالد نادين، عيني على الفور كعاملة بالمصنع، تعرفت على البنات العاملات معي حيث رحبن بي وأخذنني للسكن الذي سوف أعيش فيه فرحت جدا لوجود عائلة جديدة لي بقيم وأخلاق جديدة بعيدات عن كل ما يشين من عادات سيئة.
ظللت اعمل بذلك المصنع قرابة العامين وكنت حسنة السيرة، منضبطة في عملي بحيث أصبحت مثالا لكل الفتيات في ذلك المسلك الحميد. وكان أحد العمال معجبا بسلوكي وفي أكثر الأحيان يثني علي أمام مرؤوسي، ولما سنحت له فرصة أخبرني بمكنون قلبه تجاهي، وأنه بجانب إعجابه بعملي فانه معجب بأخلاقي وأنه يود الزواج مني.
فرحت جدا لهذا الطلب وأخبرته بأن يعطيني فرصة للتفكير، وأخبرت صديقتي جوزفين التي أخبرت والدة صديقتها زوجة صاحب المصنع، أخبرتها بان صاحب المصنع يثق في ذلك العامل، وأشاد بحسن أخلاقه وصفاته.
بعد أسبوع أخبرته بموافقتي على الزواج منه، وكان يمتلك مسكنا صغيرا في إحدى القرى المجاورة للمصنع، كان طيبا وعاملني معاملة حسنه.
لم أفارق عملي بالمصنع رغما عن إنجابي نحو ثلاثة أطفال.. وعشت سعيدة معه, ولكن رغما عن ذلك كان ينتابني خوف شديد أحيانا من مصير ما يؤول إليه بعض الأطفال، خصوصا إذا مررت بشارع ووجدت طفل جالس لوحده يعاني ما يعاني من تلك المشاعر التي مهما حاولت فلن أستطيع وصفها لكم.
avatar
azzouzti
Admin

المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/02/2009
الموقع : www.Elahlem.blogspot.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elahlem.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى